يعتقد كل متتبع للأحداث عبر وسائل الإعلام بكونه محيطا ومطّلعا على ما يجري في بقاع الأرض، مع تباين في زاوية النظر، وطريقة طرح القضايا بين وسيلة وأخرى، موقنا أن ذلك واجب عليه كمهتم بأمر إخوان له، الضحية من كل ذلك هو المشاهد البريء حين يستهلك دون تحليل، ويبتلع دون هضم.

حقيقة يبقى الإنسان حائرا تائها، لا يدري أينساق وراء ما تصوّره له القنوات الفضائية، من تسارع للأحداث وكثافة للمعلومات حتى لا تدع له مجالا للتفكير والتحليل، ولتصنع منه بوقا آخر من أبواقها سواء كانت تؤدي عملها بصدق أو بخبث وتلفيق، أم يتجاهل كل تلك الضوضاء، ويبتعد عن الإثارة التي صارت ملازمة للعمل الإعلامي على حساب نبل الرسالة وجديتها، وهنا يكون في مأزق آخر يجعل من ضميره يوخزه ويشعره بتنكره وتقصيره في نصرة إخوان له هم أحوج ما يكونون إليه في أزمتهم ومحنتهم.

بين هذا وذاك، نجد آلة الدمار تأتي على الأخضر واليابس غير آبهة بشيء، تسير وتجرّ معها آلتها الإعلامية موازاة مع العسكرية لعلمها بضرورة ذلك، والحرب الإعلامية دائما ما سبقت السلاح، وإنا لنشهد عدة تطبيقات ميدانية لها اليوم فيما يجري من حولنا، فكل آلة إعلامية لها خطّها التحريري، تغطيتها للأحداث لا يكون إلا بما يوافق أهواءها وخططها، وهذا أمر علينا الحذر منه، كي لا ننجر ولا ونكون مجرد أداة لرجع الصدى لما يحاك هنا وهناك.

لا أقول هذا لأفند كل ما يقع حولنا، إنما دورنا استيعاب الموقف مجردا، وتجاوز كل ما يشوبه من تحيزات لا توافق ثقافتنا وفكرنا، كالنظر في المصطلحات حين نتداولها، وعدم التهليل لطرف دون آخر قبل التحري والتحليل، فليس كل ما يصوره لنا الإعلام بثوب المظلوم هو كذلك، وليس كل ما يحارَب من الآلة الإعلامية هو حقا شرير، لحد الآن لم أذكر أمثلة من واقع الحال، ولكل منا عقل يسخرّه ليتصرف ويتوجه الوجهة الصائبة، دون تعنت ولا اعتداد بالرأي، بل لا يعْدو أن يكون الأمر مجرد اجتهاد بعد جمع عدة قرائن وتركيب مجموعة مؤشرات ومحطات.

مما أسقط الكثير من الآلات الإعلامية في مطبات ومهاو، اختزالها للظواهر وتفكيكها للأحداث لتقدمها لنا بشكل غير مطابق ولا منسجم مع واقعها الحقيقي، مغفلة الظروف والتاريخ ولعل القضية الفلسطينية خير مثال عندما يتم تناولها من الإعلام الغربي -وبعض العربي للأسف- فتصور لنا الشاب الفلسطيني كإرهابي يفجر نفسه بين مجموعة من الناس الأبرياء، دون التطرق لتاريخ الصراع، وحقه المهضوم، وحتى ظروف عيشه الانتقامية من عدو ظالم مغتصب لأرضه وقاتل لأسرته على مرأى من عينيه، صار بفضل التكرار بريئا طالبا للسلام!.

نفس الأمر وقع حين قتل القذافي وطريقة نهايته المأساوية البشعة، -دون أن أبرر ذلك- إذ صرنا ضحية إعلام رسم المجرم في ثوب الضحية، ووفّق في تجاوز ماضي الرجل الأسود إلى بضع لحظات ظهر فيها متوسلا خاضعا طيبا، مع الاستعانة أيضا بعدو الأمس القريب ليكون البطل المخلّص من براثن الظلم… وغيرها من الأمثلة الكثيرة في هذا السياق.

حاليا سوريا تستغيث وتتقطع أشلاؤها على مرأى من الجميع، وشعبها يلاقي الظلم في أقسى صوره من طغاة منهم من صنع نفسه ومنهم من صنعه عدو أكثر قساوة وقهرا، فلا النظام يصلح لحياة كريمة، ولا المعارضة أيضا، كلاهما جزء من معادلة طرفها الأهم هو حب السلطة بعيدا عن مصلحة الإنسان السوري الطيب، ليكون الضحية الأولى من أزمة تريدها قوى معادية لتكون طويلة لا تنتهي إلا بصراع أكثر دموية بين الأشقاء، مخلفا تركة من الحقد والظغينة لا تزول إلا بتدخله بشتى المسميات، حماية المدنيين أو انتداب أو استعانة مؤقتة… إلخ، فالشرخ يتسع على الراقع يوما بعد آخر، والإعلام السلبي يطبل ويضلل، ويتخذ وسائل أشبه ما تكون بلعب أطفال في سبيل نيل بعض الأهداف الزائفة الزائلة.

العراق بجنبها تئن تحت وطأة الظلم والاستعمار حينما فتح له الباب على مصراعيه إخوة -أشقياء- وطلبوا منه المكوث هناك بعدما منحوا له كل مقاليد خزائن الذهب الأسود، وقد وعدوه بتوفير الغطاء اللازم والسكوت إعلاميا دون إزعاجه، كالممرضة التي تلح على مريضها بالضغط فقط على الزر إن هو احتاج شيئا، فالقتلى والمغتصبات والتنكيل والتمثيل موجود هناك أيضا، لكن للقوى المهيمنة الآن رأي آخر ولذوي الإعلام المسيطر اهتمامات أخرى.

بوبال في الهند، لم تنل حقها من الإعلام لعدم وجود محفّزات لذلك، والناس عنها غافلون، مثلها تماما العشرات من المناطق في العالم يبيت أهلها ولا يدرون أسيستقبلون يوما جديدا؟ لا ذنب لهم سوى أن لهم اعتقادهم ودينهم الذي ارتضوه واختاروه بتلقاء أنفسهم، لكن ذنبهم الوحيد من التجاهل الإعلامي هو عدم وجود نفط أو غاز أو ثروة تحت أرضهم!

ناغورنو كاراباخ (Nagorno Karabakh) أيضا هي فصل من فصول الغفلة، أجزم أن القلة القليلة من سمع بها، هي قضية من واجب كل منا الاطلاع عليها، إخوان لنا في الدين يُقتّلون ويُذبّحون، ونساء في الأسر تُبقر بطونهن عنوة من جنود ملوا روتين الحياة وراحوا يلهون ويقامرون بما يحمل البطن إن كان ذكرا فازوا وإن كانت أنثى خسروا!، أين الرحمة وأين الإنسانية؟ أنصح كل غيور بالتوسع في الموضوع أكثر، علما أن مختصر القضية هو إقليم تعيش فيه أغلبية مسلمة تعرضوا للإبادة والتصفية (حوالي 25 مليون مسلم) وسط صمت إعلامي رهيب، مع تشويه وتحوير للقضية من القلة النادرة التي تناولت القضية في اختزالها إلى قضية سياسية محصورة في حدود متنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان.

أوضاع المسلمين في الصين، والشيشان والبوسنة والهرسك، وبعض دول إفريقيا… وغيرها مما علمنا وما لم نعلم، كلها ملفات مظلومة إعلاميا، لم تلق ذلك الاهتمام الواجب منا، لا لشيء سوى لكون (مصباح اليد) لم يصلها، كما أن هناك أمرا آخر أخطر وأهم، يتمثل في استهلاكنا للنموذج الإعلامي الغربي المهيمن استهلاك التلميذ النجيب لدروس معلّمته، غير ساعين لإيجاد نموذج إعلام بديل قوي الأسس والبنيان نخيط خيوطه بأيدينا، ونرسم معالمه وفق مبادئنا وتفكيرنا، هذا ليس مهمة المشاهد، إنما واجب رجال ومؤسسات الإعلام طبعا، مع ذلك الأمل قائم والمحاولات موجودة رغم ضعف صوتها، ندعو الله لها التوفيق والسداد.

ما أود قوله في الأخير من وراء كل هذا ألا نستسلم لصوت الإعلام بناء على انتشاره وقوته فقط، إنما تتوفر لنا الوسائل الآن للتدقيق والتمحيص كالإنترنت والتواصل المباشر، وإلا التزام الوقف والصمت، مع العمل دون ضجيج، فواجب النصرة يجعلنا نصرّ على البحث عن الحقيقة وفعل ما يسقط عنا ذلك الواجب، إنما المحذور هو ابتلاع السموم التي عادة ما تأتي مندسة في العسل، فلتكن ضمائرنا متّقدة، وآلة تفكيرنا نابضة حيّة، لا تقف على أشباه الحقائق إنما لا ترضى إلا بالحقيقة ولا شيء سواها.